محمد عبدالباري
ولقد ذكرتُكِ
والشتاءُ يضمني
والشالُ في كتفيّ يرقدُ كالملاكْ
مطرٌ رماديٌ
وبردٌ أحمرٌ
والريحُ تنسجُ حولَ نافذتي الشباكْ
وحدي تثاءبت القصيدةُ
في يدي
وأنا أحدّقُ في البعيدِ
لكي أراكْ
أجتازُ خارطتي إليكِ كأنما
وطنانِ لي..
فأنا هنا وأنا هناكْ
وحدي
أرتّبُ من غيابكِ قهوتي
في الليلِ
ثم أعدُ شايي من حلاكْ
للشارعِ الشتويّ قلبٌ طيبٌ
يحنو على وجعي
كما تحنو يداكْ
يوصي الرصيفَ بأن يُضيء
لكي أرى
إن جئتُ في الظلماءِ أبحثُ عن خُطاكْ
والمعطفُ الصوفيّ
يبذلُ وسعَه
وكأنه يخشى عليّ من الهلاكْ
يبكي على جسدي
ويحضنُ رعشتي
لم يدرِ أني ليسَ يُدفئُني سواكْ
ساءلتُ عنكِ النارَ
- وهي صديقتي
فلطالما فتّشتُ فيها عن هواكْ -
قالتْ:
تدثرْ بالخيالِ
وغنِ لي:
يا أيها القمرُ المسافرُ من رآكْ !!
فتح الدريشة ، إبتسم ثم سألني : تكسي ! أجبته مباشرة : توني متصل على شركة تكاسي وراح يرسلون تكسي ألحين .
إبتسم مرة أخرى وقال : بالسلامة ياحبّاب ..
أعجبتني كلمة حبّاب ، اللهجة السودانية جميلة كأهلها ، طيبة كقلوبهم ، رغم أنهم يحذروني كثيراً من العرب في أمريكا إلا أني لم أكترث إقتربت منه مرة أخرى قلت له : بجي معك يا عم ، الشركة شكلهم بيتأخرون ، إبتسم إبتسامة تشبه الأولى ورحب بيّ ، لم نتفق على السعر لم نتفق على شيء , سلم عليّ بحراره ، عرفّ بنفسه : معك أبو فارس .
رحبت به بدوري وأخبرته عن إسمي ، أعطيته عنواني ومضينا كأي صديقين يلتقون بعد فترة من الغياب دون ان يشعر احد منهم أن الآخر قد تغير لأنه لم يكن هناك آخر من قبل، سألني إن كنت أدرس في واشنطن ، أخبرته أني هنا لبضع أيام فقط ، وسأعود للوطن ، سألته مباشرة : أبو فارس كم صار لك هنا ؟
- صار لي ٢١ سنة .
طلبت منه أن يحدثني عن حياته هنا ، قال لي : أمريكا كانت أمنية للعالم أجمع ،كنا نسميها أمريكا الحلم ، حينما تخرجت من الثانوي عملت سنة واحدة في السعودية كموظف في وكالة للسفر والسياحة ، جمعت مبلغاً من المال وأتيت إلى هنا في ٩١ ، حدثت رفاقي قبل أن آتي عن نيتي في الهجرة ، همس لي أحدهم : الغربة ليست لك الغربة شاقة عليك ، ثم أعلن أمام الجميع أنه سيحلق شاربه إن لم أعد ، يقول في كل مرة يهزني الحنين أتذكر كلمته تلك وأصمد ، ثم يعرّج يا بني الحياة هنا كانت متعبة جداً بدأتها من القاع -كان يشير بيده إلى أقصى مكان تصله -ويواصل : ولكني وصلت لأماكن عالية ،يتوقف قليلاً ثم يكمل ، هذا ليس كل شي فأنا قد إنكسرت عدة مرات لأبدأ من جديد ، إحتجت كل هذه الإنكسارات لأدرك أن الأهم أن تبتسم ليس مهماً أن تقضي وقتك باحثاً عن سبب للإبتسامة ، عن الطريقة التي سبتسم بها ، عن ردة فعل الناس لإبتسامتك ، المهم هو الفعل نفسه دون أن تغرق في تفاصيله ، يعود ليسرد تفاصيل الحكاية بعد أن قلت له بلهجتي إسلم ، قالوا لنا لابد أن تتعرف على فتاة توافق على أن تمنحك الإقامة مقابل مبلغ من المال ، بحثت كثيراً لكني لم أجد ، بعض الأشياء قريبة منا ولشدة قربها لانستطيع النظر لها ، هذا ماحدث لي ، حينما كنت أهيم في إحدى النهارات في شوارع واشنطن بلا عمل بلا مأوى بلا صديق ، بالمناسبة يابني كان أشدها عليّ أني لا أملك صديقاً ، حينها أتت لي الفتاة التي تعمل في المكان الذي أتناول فيه وجبتي اليومية، سألتني عن وجبتي لم أستطع أن أجبها لفرط الهم الذي كان يسكنني ، مضيت بعيداً تبعتني تلك الفتاة ، تلك الفتاة كانت أم فارس زوجتي ياياسر ، أثيوبيه تعيش هنا قريبة مني لكني لم أكن أراها ، صدقني ياياسر تبدأ الحياة في اليوم الذي تلتقي فيه على من سيكملها معك .
سألته : ماذا عن صديقك الذي وعد أنه سيحلق شنبه؟
أجاب لي وللزمن ، قال : ياياسر دعك منهم من سينتقدك سينتقدك في كل الأحوال ، إن سكت سيقول لك لماذا سكتّ ، وإن تحدثت بمالا يوافق هواه سيقول لك لماذا تحدثت ، وإن تحدث بما يوافق هواه سيقول لك لماذا تحدثت الآن كان من المفترض أن تتحدث من قبل ، هم ياياسر خلقوا لينتقدوا ، وخلقنا بالنسبة لهم لنجعل لوجودهم معنى لا تكترث يابني لا تكترث لهم
سألته بعدها :
طيب يبو فارس ٢٠ سنة هنا ما أشتقت للسودان ؟
أزال نظارته عن عينه ، حدق بيّ ، تمنيت أني لم أسأله ، لم أترك له مجال ليجيب ، قاطعته حتى قبل أن يبدأ ، أخبرته عن السودان التي أخبرني عنها صديقي محمد ، أخبرته عن عادتهم في رمضان حينما يخرج الجميع ليفطروا سوياً أمام منازلهم ، أخبرته عن حبه لهم ، عن حبي لهم أو أنه حب لحب صديقي لهم، حينما يضعون جدولاً يحددون فيه أين سيفطر محمد وبقية المغترببن ولمدة ثلاثين يوماً متنقلين بين بيوت مدرسيهم وزملائهم ، في الحقيقة لم تكن بيوت كانت حواري السودان كلكها تحتضنهم فكل حارة تفطر سوياً في الشارع في كل يوم.
أخبرته عن المائدة التي يصفها لي صديقي أخبرته كيف يصبح محمد فرداً من العائلة ،
يدخل محمد للحارة يرحبون به جميعاً ينتشر الخبر بينهم تكاد تسمع همسهم هذا محمد ضيف فاطمة هذا محمد الضيف ، يقرّبونه منهم يقربونه لهم ، يقربون قلوبنا منهم يابو فارس ، لم أزر السودان يوماً لكني أتمنى أسبوع واحد من رمضان هناك ، ألا يكفي أن أستمع لروضه الحاج تحدثني عنكم ، بدأت ألقي له القصيدة التي أحفظها جيداً لروضة الحاج ، كنت أقرأ القصيدة وأقرأ عيني صديقي الجديد ، حين أتيت بهذا البيت ( يابلادي قسمي النيل إذا كنت تريدين انقساماً
قسمي الشمس .. فما زالت تغني للبيوت السمر من نمولي لحلفا .. وتسمي أهلها السمر كراماً ) تأوه ، وحين أتيت بهذا البيت (كلما نودي: يا زول “، ألتفتنا لهفة شوقاً وحباً وحنينا ..) إبتسم ، وحين أتيت بهذا البيت (قسمي الليل المغني حين يشدو العطبرواي: أنا سوداني فنفنى فيك وجداً وهياماً ) أوقفني أبو فارس وبدأ يغني أنا سوداني أنا سوداني تركته يغني حتى وصلنا ، نحن الذين لم نتفق على الحساب إتفقنا على أن نكون أصحاب ..
الرحلة التي تأخذك من غرب الولايات المتحدة إلى شرقها شاقة جداً ، تأخذك من أطراف مدينة صغيرة تغفوا على المحيط الهادي وتلقي بك في أقصى الشرق وتسرق من يومك ٣ ساعات كفارق توقيت و٦ ساعات تقضيها على متن هذه الرحله، بقربك رجل لطيف يصطحب معه زوجته وأبنائه الثلاثة بعد أن يخبرك أنه يعمل بائعاً في محل للأجهزه الألكترونية في مدينة فينيكس في غرب الولايات لكن جذوره تعود إلى قرية قرب العاصمة وأنه قد قرر أن يصطحب زوجته وأولاده في رحلة ليروا قريتهم لأول مرة ، يسألك عن لغة الكتاب الذي تمسك به ، تخبره أنها العربية وتعرج مباشرة أن مؤلف هذا الكتاب هو رجل داغستاني كتبه باللغة الآفارية يتحدث في كل جزء من هذا الكتاب عن بلده عن داغستان - تلك الي ربما لم يسمع بها جارك الأمريكي - لفرط إعجابك بهذا الكتاب ولفرط تفاعله معك تقرر أن تترجم له بعض أجزاء هذا الكتاب ، تخبره أنه يقول : ( يمكن الإساءة إليّ بأي كلمة ، وسأحتمل ، لكن لاتمسوا بلدي داغستان . داغستان حبي وقسمي ، دعائي وصلاتي )
تشاهد تفاعله معك حينما يطلب من صغيرته أن تأتي وتسمع حديثكم تقرر أن تواصل فتترجم له قصة الداغستاني ذاك الرسام المغترب الذي ألتقاه الكاتب في باريس ، هذا الذي هاجر من داغستان وتزوج بإمرأة إيطالية لكن كل رسوماته كانت تشير إلى الوطن هو نفسه رسم زوجته الإيطالية بزي النساء الداغستانيات القديم وأسماها الحنين إلى الوطن ، يعود الكاتب إلى داغستان فيبحث عن أهل هذا المغترب يجدهم ويجد والدته مازالت على قيد الحياة يخبرهم أنه إلتقا إبنهم في باريس يحدثهم عنه عن سنين الغربة متجولاً بين عواصم العالم عن رسومه التي تشير بشكل أو بآخر إلى داغستان ، يفرح الجميع أن إبنهم مازال قلبه متعلق ببلده ، فجأة تسأله أمه : هل تحدثتما بالآفارية ( لغة الأقليم الذي ينتمي إليه الكاتب والرسام)
يجيب الكاتب : كلا تحدثنا بواسطة مترجم كنت اتحدث بالروسية وابنك يتحدث بالفرنسية . تغطي الأم وجهها وكأن مصيبة قد حلت بها ، وتقول له: أنت مخطئ يارسول . لقد مات ابني منذ زمن بعيد ، هذا لم يكن ابني ، فابني لم يكن لينسى اللغة التي علمته أياها ، أنا أمه الأفاريه يارسول .
تخشى أن الملل قد يتسرب إلى قلب جارك ، تخبره أنك ستترجم له عبارةً أخيرة قبل أن تقلع الطائرة ، تأخذ بعض الوقت في إستحضار الترجمة المناسبة للعبارة تريد أن تصله بنفس الروعة التي وصلت لك حين قرأتها حين قررت أن تثني أعلا الصفحة كإشارة إلى أن هناك مايستحق العودة له في هذه الصفحة ، تقرأ له هذه العبارة بتأني شديد ( المسافرون يحملون إلى بيوتهم أغاني البلاد التي زاروها ، أما أنا فالمصيبة تلاحقني فحيثما ذهبت لا أحمل معي إلّا أغاني داغستان ، وكأني مع كل قصيدة جديدة أعرف داغستان من جديد ، وأفهمها من جديد وأحبها من جديد ، فبلدي داغستان لاتنتهي ولا تنفذ ) يبتسم جارك يخبرك أنه ممتن لك لأنك أشركته في الشيء الذي كنت تقرأه ، لست متأكداً أن الكتاب أعجبه لكن يكفي أنه كان ينظر إليك وكأنك المسافر الوحيد على هذه الطائرة ،تنهي الحديث تشكره بدورك على اهتمامه، تشكره على اتاحته الفرصه لك بمشاركته شيء أعجبك ، تغلق الكتاب وتمد يدك إلى الضوء فوق مقعدك لتغلقه ، يشاهد يدك بالكاد تصل إلى الضوء يمد يده مباشرة ويغلقه ، تشكره وتبتسم ، تتأكد من أن سماعة الاي بود لن تسقط منك حينما تنام ، تختار ذكرى هي التي تشتاقها حينما تكون لوحدك ، تضع الملف الذي يحتوي على ٧ أغاني فقط ، تغمض عينيك وتنام ..
تستيقظ خائفاً بسبب سعال أحدهم ، تسمع ذكرى تقول : أعرف كثير أصحاب تفارقوا أغراب، ماتزال خائفاً من هذا الأستيقاظ المفاجئ ، تتذكر أمك حينما كانت تقول لك : ياوليدي والله مافيه شي يخليك تقوم مرتاع ، شف الشيب الي براسك ياوليدي كله من روعتك الي مالها سنع ، تبتسم حينما تتذكر أمك ، تعود لتسمع أغنية ذكرى من بدايتها ، تدرك متأخراً أن السعال كان من صغيرة جارك في المقعد ، تلاحظ أنه قد إنتبه لإستيقاظك المفاجئ ، تعود لذكرى تشعر أن كمية الحزن في هذه الأغنية كثيرة على قلب واحد ، تدير إصبعك بطريقة عشوائية تتوقف دون أن تنظر للأغنية التي إخترتها ، تحب أن تفعل هذا كثيراً تختار أغنيه وتغمض عينك تترك اللحن يخبرك عن الأغنية ، حينما لا يرشدك اللحن إلى هذه الأغنية تصبح المهمة شاقة عليك ، تصبح في سباق مع الزمن تستحضر كلمات كل الأغاني التي مرت يوماً عليك تريد أن تنطق بداية الأغنية قبل أن تصلك أول كلمة ، لكن هذه المرة الأمر يسير جداً ، تستدل على الأغنية من الآه القصيرة التي تطلقها ذكرى ، قبل أن يبدأ اللحن حتى ، تدرك أن ذكرى ستغني إلين اليوم ، يصحبك حزن عظيم لكن هذه الأغنية وحدها لاتستطيع أن تتجاوزها ، تنظر إلى جارك الأمريكي تتمنى أن تستطيع ترجمه هذه الأغنية بكل كلماتها حتى بالآه التي تسبقها ، تتمنى أن يسألك ماذا تسمع ، تعلم أنه لن يفعل ، تضع رأسك على المقعد تغمض عينك .. وتــ(دمع)ــنام
* بضم الهمزة على منهج سمير عطالله
ياسر
نيويورك
٢٨ - ٧ - ٢٠١١
كنتِ تنفُخين اللقمةَ في فمي تجسين بيدك المكان قبل أن تضعيني فيه لقد سحبتُ يا أمي حقيبتي في كل المطارات صافحتُ كل الأرصفة مسحتُ بيدي على كل ناصية فلم تبرد سوى لقمتي تلك .. ولم ينظف سوى مكاني ذاك ..
..
أردتُ أنْ أقرأني يا أمي وأنا خارجٌ عني .. رجعتُ خطوةً إلى الوراء ؛ لأتأكد أني خرجتُ مني .. وقرأتُ بعض ما كتبته هنا . شهقتُ وجعًا وقلتُ : يالله ! ما أشد حزنه ! .. ساري العتيبي
.. الأطفال أرواح بريئة لم تلطخها الدنيا بعد , حينما أشاهد أياً منهم من أي بلد كان أقول : على هذه الأرض مايستحق الحياة
(by sara peixoto)
و فُوق الجرَايدْ و الكُتبْ . . إسمِك حرُوفـَه تَنْكتِب ، يَا إبن الحَلالْ ! إمّا إسْترِح . . و إلاّ امشْ - بدر بن عبدالمحسن
عبادي مرة ثانية وثالثة ودائماً , بحسب الصديق ماجد إبراهيم , عبادي بكى لما سمع هذه الأغنية بهذا التسجيل ..